الشيخ عبد الله البحراني

5

العوالم ، الإمام جعفر الصادق ( ع )

الجزء العشرون القسم الأول المقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الحمد للّه ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على خير خلقه محمّد وآله أجمعين ؛ واللعن الدائم على أعدائهم إلى قيام يوم الدين ، وبعد : بين يديك عزيزي القارئ سفر ثمين آخر يضمّ بين دفّتيه جوانبا من حياة وسيرة الكوكب السادس المتألّق في سماء العصمة والطهارة ، إمامنا المعصوم الصادق « جعفر بن محمّد » عليهما السّلام مشيّد المدرسة العلميّة الكبرى ، والجامعة الإسلاميّة الرائدة الّتي طبّق صيتها الآفاق . المدرسة الجعفريّة : لا يختلف اثنان من أيّ الفرق والطوائف والمذاهب الإسلاميّة في أنّ المدرسة الجعفريّة هي أسمى وأكبر وأجلّ المدارس الإسلاميّة ، ومن أكثرها أصالة وعراقة بلا منازع ، ولو لاها لا ندرس الكثير من العلوم ، وامّحى العديد من الشرائع ، وضاع المهمّ من الأصول ، وفقد الأصيل من الحقائق والحجج ؛ فالتاريخ لا يذكر لنا ، بل لا يعرف مدرسة علميّة كبرى كمدرسته عليه السّلام الّتي استقطبت اهتمام الجميع ، فدخلها طلّاب البحث ، وأمّها روّاد العلوم ، لينهلوا من صافي نمير النبوّة مختلف العلوم ، وليتفيّئوا بظلال الإمامة ، ويغرفوا من زلالها العذب الّذي لا ينضب ، حتّى أنّ « هذه الّتي حملتها الإبل من الحجاز » كلمة جرت على ألسنتهم مثلا ، وتعبيرا عن عجزهم عن إدراك هذه العلوم الخفيّة الصافية من معدن الوحي إلّا بأن يتحمّلوا عمّن استكانوا ونفروا إلى أهل بيت النبوّة وتفقّهوا منهم ، ثمّ رجعوا إلى قومهم بقبس من علومهم . وحسب هذه المدرسة المباركة أنّ واضع لبناتها الأولى ، وباني أسسها من قال اللّه بحقّه في القدسي « الباقر لعلمي والداعي إلى سبيلي » « 1 » وأنّ قائدها وهاديها ومغذّيها : « الناطق عن اللّه ، الصادق في اللّه » « 2 » كما أخبر به جبرئيل - في المعراج - عن اللّه عزّ وجلّ ، والمأمور في الصحيفة المنزلة من عند اللّه على رسوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ب « حدّث الناس وأفتهم ، وانشر علوم أهل بيتك ، وصدّق آباءك الصالحين ، ولا تخافنّ أحدا إلّا اللّه ، وأنت في حرز وأمان » « 3 » والتاريخ يحدّثنا كيف شرع مولانا الصادق عليه السّلام يوم تسلّم قيادة الامّة الإسلاميّة بتنفيذ دوره الإلهي بصدق وعزم راسخين رغم تعسّر الزمان واشتداد الجور والطغيان ، فأشرقت شمس علومه ، وتسلّلت آثارها بين حجب التعصّب والأهواء ، فأنارت جانبا كبيرا ومهمّا من تراثنا الإسلامي الزاهر ، وما زالت بروقها تأتلق في حشود أحاديثه عليه السّلام الّتي تغصّ بها كتب الفريقين ، والّتي رواها الآلاف من تلامذته مع ما كابدوه من قتل ومحن ، فهل لأحد أن

--> ( 1 ) أمالي الطوسي : 297 . ( 2 ) كفاية الأثر : 187 . ( 3 ) كمال الدين : 2 / 669 ح 15 .